إبراهيم شقلاوي: شكرًا حميدة.. فهل يُكملها دهب؟

0

وجه الحقيقة |

تعرفتُ إلى البروفيسور مأمون حميدة عام 2009، حين كنا مجموعة من الشباب نُمثل إعلام وحدة تنفيذ السدود، ونجوب مؤسسات التعليم العالي السودانية لتعريفها بمشروعات الوحدة، وعلى رأسها مشروع سد مروي. كان برنامجنا مُعدًّا ليوم أو ليومين في كل جامعة، إلا أن الأمر اختلف عند زيارتنا لجامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا.

 

استدعانا البروفيسور حميدة، واطّلع على برنامجنا، لكنه رأى ضرورة توسيعه ليشمل أساتذة الجامعة والإدارة، كما طالب بتنظيم زيارة ميدانية للمشروع تضم جميع طلاب الجامعة، معتبرًا أن هذه الطريقة هي الأمثل لتعريفهم بمشروعات التنمية. التزمنا بما اتفقنا عليه، ولاحقًا تبنّت الإدارة العليا للوحدة هذا النموذج وعمّمته على عدد من الجامعات والمؤسسات الحكومية والخاصة، نظرًا لما حققه من نجاح ملموس.

 

لم أُفاجأ عندما قرأت قبل أيام إعلان جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا، بقيادة البروفيسور مأمون حميدة عن تقديم منح دراسية كاملة للطلاب الذين استنفروا مع الجيش السوداني خلال معركة الكرامة. هذه المبادرة تعكس بوضوح إدراك الجامعة لمسؤولياتها الوطنية والاجتماعية، فهي بمثابة اعتراف بالدور الذي يلعبه الشباب في الدفاع عن سيادة الوطن.

لم تكتفِ الجامعة بذلك، بل أعلنت توظيف هؤلاء الطلاب بعد تخرجهم، مما يعكس فهماً عميقًا لدور المؤسسات التعليمية في إعادة بناء المجتمع، من خلال استيعاب الكوادر الشابة وإدماجها في سوق العمل. وفي ظل الظروف الراهنة، يُعد هذا القرار خطوة استراتيجية لدعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وتعزيز قيم التضامن الوطني بين مختلف فئات المجتمع.

على ذات النهج، أعلنت كلية الأفق للعلوم والتكنولوجيا إعفاء الطلاب المستنفرين من الرسوم الدراسية، ومنح دراسية لأبناء الشهداء، بالإضافة إلى تخصيص وظائف للخريجين منهم في الكادر الأكاديمي والإداري. هذه المبادرات تؤكد أن التعليم لم يعد مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل تحول إلى أداة لتعزيز الولاء الوطني وإعادة تشكيل الوعي المجتمعي، في ظل التحديات التي تواجه السودان.

هذه السياسات تُعيد صياغة دور الجامعات، بحيث لا تقتصر وظيفتها على تخريج الطلاب، بل تتجاوز ذلك إلى المساهمة في بناء الدولة. فالنظر إلى التعليم كوسيلة لتعزيز قيم الصمود والتضحية بات ضرورة في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل ستحذو بقية الجامعات السودانية حذو هذه المؤسسات، أم ستظل هذه الخطوات محصورة في مبادرات فردية؟ في تقديري، ينبغي تعميم هذه السياسات على جميع مؤسسات التعليم العالي، إذ سيسهم ذلك في تحقيق مفهوم الجامعة كمؤسسة وطنية تعزز التماسك المجتمعي، وتقوي مناعة الدولة أمام التحديات الداخلية والخارجية.

 

إن السودان يمر بمرحلة تاريخية تتطلب تكاتف جميع القطاعات، وعلى رأسها قطاع التعليم، الذي يجب أن يكون في طليعة القوى الداعمة لمشروع بناء الدولة الوطنية. تكريم الطلاب المستنفرين ومنحهم فرصًا تعليمية ومهنية يُعبر عن إدراك وطني عميق بأهمية الاستثمار في الإنسان السوداني. وهنا تبرز الحاجة إلى سياسات تعليمية واضحة، تعيد الجامعات إلى دورها الريادي في بناء الوعي الوطني وترسيخ قيم الانتماء والمسؤولية.

 

عند استعراض تجارب الدول التي مرت بأزمات وحروب، نجد أن التعليم لعب دورًا جوهريًا في إعادة بناء المجتمعات. فمثلًا في الجزائر، عقب الاستقلال عن فرنسا عام 1962، كان التعليم أحد الركائز الأساسية في بناء الدولة الوطنية. ورغم التحديات السياسية والاقتصادية الهائلة، نجحت الحكومة في إطلاق حملات لمحو الأمية وتوفير التعليم للجميع، مما أسهم في تحول اجتماعي واقتصادي كبير، حيث كان لقادة التحرير دورا أساسيا في قيادة تلك المبادرات.

 

أما في رواندا فبعد الإبادة الجماعية عام 1994، كان التعليم جزءً لا يتجزأ من استراتيجية المصالحة الوطنية. إذ قدّمت الحكومة منحًا دراسية للشباب المتضررين من الحرب، وعززت التعليم الفني والتقني لتعويض الفاقد البشري، وتزويد المواطنين بالمهارات اللازمة لإعادة بناء المجتمع و الاقتصاد الوطني.

 

هذه التجارب، رغم اختلاف السياقات، تؤكد أن التعليم يُعدّ من أهم الأدوات لإعادة بناء الدولة وتعزيز قيم الوحدة والسلام بعد الحروب والأزمات.

ما تشهده الجامعات السودانية من تحولات يجب أن يكون بداية لمرحلة جديدة من إعادة النظر في السياسات التعليمية. فالجامعات مطالبة اليوم بتقديم منح دراسية ودعم خاص للطلاب الذين ضحوا من أجل الوطن، إذ إن ذلك يُجسد رؤية أوسع لدور التعليم في تكريس قيم الوفاء والانتماء، ويضمن للطلاب بيئة تعليمية مستقرة وآمنة، تعكس التزامًا حقيقيًا بمستقبل البلاد بعد سنوات الحرب.

نترقب اليوم وبحسب ما نراه من #وجه_الحقيقة خطوة عاجلة من المخضرم ، البروفيسور محمد حسن دهب، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، ليتبنى سياسات تدعم هذه المبادرات ، وتكفل تطبيقها في الجامعات السودانية قاطبة، لتعزيز قيم الانتماء للوطن والدفاع عنه امام كافة المهددات والتحديات.

دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 2 أبريل 2025 م Shglawi55@gmail.com

اترك رد