عزمي عبد الرازق يكتب.. مشاهد من ساحة اعتصام القصر.. قبل الـ”11″ م 

 

يوم حافل بالشلل العام وسط الخرطوم، فيه انحسرت حركة السيارات المندفعة، وبدا أن إغلاق الشوارع الرئيسية خفف وطأة زحام المركبات العامة، وساهم في تعميق الأزمة، فكل ما اقتربنا من القصر الرئاسي المتنازع عليه، تتهلل الوجوه، وتلوح مضارب الخيام، كأنه المبيت على مُنى، فحاكم دارفور بالثوب الأبيض، يرمي بالحجارة شيطان الفتنة والعنصرية والكراهية، كل شيء بالخارج محكوم بالغلاء كدافع أكبر للتبرم، الطريق كالأفق مسدود تماما، ثمة جلبة خواجات في الخرطوم، ورجل سوداني مهم هبط في صالة كبار الزوار ليلة أمس بعد غيبة، وهذا ما يمنح نظرية التغيير الحق في النقاش، كأن هنالك من يُهيء المسرح لأمر ما، في حدود الحادية عشر مساء، أو صباح الغد.

ثلاثة دفارات تجول داخل الساحة التي اكتست بكافة السحنات ورايات الطُرق الصوفية والأمصار من كل فج عميق، ومعزوفة أصوات متداخلة، كما اتسعت ذات الساحة على امتداد شارعي الجمهورية شرقاً والجامعة غرباً، ونصبت ثلاثة منصات، احداهما وراء النافورة وتحت قوس النصر المُطل على الجنوب.

قلت لأحد الشباب من الذي جلب هذا الطعام؟ رفع رأسه إلى السماء، وأطرق ثم أجاب: رزق ساقه الله الينا، بعدها حلقت طائرة الدرون الزرقاء، وخطفت الأنظار.

رأيت اخلاص قرنق والجناب مادح الرسول ونجم الزنق الساكن الكونيكا، ورئيس جمهورية أعلى النفق ولم أر النفق. المكان تحت قبضة تواشيح المولد وذكرى أكتوبر، وتراث القبائل المتقربة بذبائحها، و النشيد الوطني لاسماعيل عبد المعين” واجب الأوطان داعينا”.

صعد التوم هجو المسرح بطريقة درامية وعقد أصابعة الأربعة ناحية الأرض، هازئاً بشريكه اللدود، وبدا كمان يصحح هتافه السابق”الليلة ما بنرجع الا البيان يطلع، من حمدوك شخصياً” أضاف اسم حمدوك ليزيل ما علق في الأذهان. قلت في سري ماهى قيمة التوم هجو السياسية؟ وسرعان ما طاف بخاطري أن الرجل يمثل ثقل صوفي، وتنبع أهميته من كونه بضع دوائر وولاية انتخابية مضمونة، فض مغاليقها محمد عبد الحي في نشيد العودة إلى سنار.

الحشود أكبر من يوم أمس بشكل ظاهر، وإن كان يصعب وصفها بالمليونية، او تقديرها بالأرقام، الرصيف ممتليء بالأطباق الفارغة، وقوارير المياه، والبسكويت المحشو بالنوتيلا، والبعض يلتحف ظلال الأشجار، وأعلام تظلل بعضها من الشمس، ويبدو أن هذه الحشود لا تريد أن تغادر قبل أن يغادر أحدهم، مندفعة حد الذهاب إلى مجلس الوزراء المنعقد لتوه، قبل أن تصدها الشرطة بغازها المسيل للدموع.

يستميت بعض شباب الحركات في الدفاع عن أصالة مطالبهم، كارهين الوصم بالفلولية، وتتظاهر أفواج أخرى ضد غياب التوجهات السياسية، ويتحدث أحدهم عن العجين، وأخر عن الدين، ومجموعة تريد منع التآكل التدريجي لوضعهم الاقتصادي، وهنالك من جاء بسيرة الجماعة الخاطفة، مفصحاً عن الأحزاب الأربعة المتحكمة في دفة السلطة .

طرحت على مجموعة داخل خيمة ضيقة اتهامات خصومهم في الأسافير، استخدام الأطفال والطعام المجاني ودعم الانقلاب، جاءت ردودهم متشابهة لحد بعيد، بأن الأطفال والطعام المجلوب ظهروا من قبل في القيادة، تحت حفاوة الثوار، وأن الصراع على ما تبقى من الفترة الانتقالية، ذو طابع سياسي، ولا يبدو منطقياً الحديث عن تقويض التحول الديمقراطي، سيما وأن جميع الأطراف تريد العودة إلى الوضع القديم إلى جانب المكون العسكري، ما يعني ان الإنقلاب مدنياّ إن كان ثمة انقلاب، وقد أوضح مناوي أنهم يفوضون الوثيقة الدستورية المجني عليها. كما أن تلك الدعاية لا يبدو انها سوف تفلح بالمرة في تحييد البعد الحقيقي للأحداث، توجد مظاهر ثورية بالفعل، ومطالب مشهرة لكنها غير محدودة على قالب واحد.

حملت معي العديد من الأسئلة التي لم أحصل على إجابات لها، متى وإلى ماذا سيتهي هذا الاعتصام الذي أخذ زخماً شعبياً في يومه الثالث، وبدا يلفت أنظار العالم بالفعل؟

اترك رد

error: المحتوى محمي !