فضل الله رابح يكتب.. العدالة المسييـسة ..!!

الراصد

معروف في كل بلد في العالم تضطلع المعارضة السياسية كأحد الفواعل غير الرسمية بأدوار فعالة داخل النظام السياسي ولا سيما في ما يتعلق بقضايا الحريات وحقوق الجماهير وطرح البدائل المتعددة للحكم ـ

 

إن كانت علي مستويات السياسات الكلية أو التشريعات وكشف أوجه النقائض والثغر في أداء العمل الحكومي داخل الدولة ولذا فإن غياب أو تغييب أو ضعف وإضعاف المعارضة السياسيةفي السودان يعتبر من التفسيرات الأساسية لهشاشة التجربة الحالية بل أضعفت حتي شعارات الثورة المصنوعة المبنية علي الحرية والسلام والعدالة وهو ما يعني أن تقوية المعارضة يعد من المداخل الضرورية إلي تعزيز التجربة ودعم عملية التحول الديمقراطي وترسيخها.

 

وتكون الخطوة الاولي في ذلك إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وتحقيق العدالة بين أبناء الشعب كافة لكن يبدو أن هناك من يعطي السلطات الحكومية العليا تعاريف مخلة بمعني المعارضة السياسية النافعة ويحاول الضغط علي القضاء والنيابات بهدف تجديد الحبس للمعتقلين وإبقائهم في السجون إلي ما لا نهاية.

 

وهذه واحدة من الأخطاء القاتلة في تحقيق العدالة لأن الأسس الحاكمة لبلاغات المحبوسين الجنائية هو نصوص قانون الإجراءات الجنائية الذي ينص علي خطوات محددة للتعامل مع المتهمين ومن حقوق المتهم ألا يظل محبوسا بمخافر الشرطة لفترة أكثر من 24 ساعة عنئذ يذهب المتهم للمرحلة الثانية وهي سلطات النيابة التي يسمح لها القانون بالتجديد لمدة (3) أيام فقط وإذا أكمل المتهم هذه المدة ورأت النيابة أن التحري لم يكتمل ليس لديها فرصة حتي تذهب للمحكمة للتجديد والمحكمة لديها سلطة تجديد لمدة 15 يوما والقانون يمنحها سلطة تجديدها لـ (3) مرات أي مدة (45) يوما كأقصي مدة بعدها.

 

اما ان يطلق سراح المتهم او تقديمه للمحاكمة وهذه المستويات من الإجراءات القانونية تقودنا مباشرة للميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص علي الا يسلب الإنسان حريته الا وفق إجراءات قانونية وإذا خولفت الإجراءات القانونية يصبح هذا إنتهاك لحقوق الانسان كما أن التظلم من تعسف هذه المستويات والإنتهاكات هو من إختصاص المحكمة الدستورية وفي السودان المحكمة الدستورية معطلة ومعروف اي مستوي من هذه المستويات العدلية لديه مهام وإختصاص ويبدو ان تغييب المحكمة الدستورية مقصود حتي لا تنظر في هذه الانتهاكات ولإيجاد مزيد من المبررات للتماطل وإنتهاك الحريات وحقوق المعتقلين الذين تجاوزوا جميعهم فترات التجديد المسموح بها في كل مستوي من مستويات العدالة ولم يطلق سراحهم ولم يتم مراعاة الأوضاع الإنسانية لكبار السن وذوي الأمراض المزمنة ولم يتم مراعاة الأوضاع المادية والنفسية والإنسانية لأسرهم وعوائلهم لكن واضح أن حالة إنسداد الأفق السياسي العام هي التي دفعت جهات سياسية عليا لهذه التدابير السياسية التي أضرت بسمعة العدالة في السودان .

 

إن قرار إبقاء المعتقلين في السجون والحراسات لمدة غير محددة يرسخ الي حالة الفشل وسوء الممارسة السياسية علي المستوي العام بالسودان والمعني بهذا الفشل النظام ككل فإذا كان في السابق من يضع القيود القانونية هو نظام الحرية والتغيير وقيادات الأحزاب الأقلية حينها فهؤلاء اليوم خرجوا من المشهد بل جرت عليهم ذات السنن التي صمتوا عنها عندما كانت تمارس وهم كانوا حاكمين لكنها بطريقة أخف نوعا ما .

 

إن ما يحدث للمعتقلين اليوم يؤكد أن صاحب السلوك الفعلي والجهات العليا النافذة في الدولة والمؤثرة علي العدالة والنخبة السياسية لا تزال هي المسيطرة وهذا النوع من التأثير السالب علي العدالة يفرغ الممارسة الديمقراطية من محتواها وأن صاحب هذا الفعل لن يجن ثمار الثقة الشعبية طال الزمن أو قصر .

 

كما أن الضغوط السياسية العليا علي الأجهزة العدلية بهدف إنتهاك حقوق المواطن وتجاوز القانون سيكون له أثر مباشر علي إضعاف سمعة القضاء في الدولة ومن المعلوم بالضرورة أن القضاء هو السيد الأول المستقل علي كل الاجهزة التنفيذية وحتي علي الاجهزة الخاصة الأخري وإذا تم إضعافه بهذه الطريقة وهذا النهج سيكون إمعان في ترسيخ سمعة الفشل وإضعاف الدولة وتكون ثقة المواطن في الأجهزة التي يفترض تكون عدلية قد إنتهت .

 

بالطبع كان البعض يظنون أن (4) طويلة من الحرية والتغيير كانت متنفذة ومتسلطة وهي التي تؤثر علي قواعد العدالة وأن النائب العام السابق هو الذي أسس لهذه المخالفات والتجافي والتفارق بين العدالة والواقع إلا أن إستمرارها بعد ذهابهم جميعا يكشف ان جهات أخري تقف خلف هذه الإجراءات والقرارات التسلطية التي أدت إلي تراجع دور القضاء وبرز علي السلطة حالة شد وجذب ما بين المؤسسات العدلية فبينما يرفض القضاة التجديدات للمعتقلين متمسكين بنصوص القانون والعدالة ومتسببين بأن المدة القانونية التي كفلها لهم القانون قد إنتهت وليس هناك مسوغ قانوني يجعلهم يحبسون المتهمين وتبعا لذلك رفضت سلطات السجون إبقاء المتهمين بطرفها بعد أن قال القضاء كلمته وأن حبس أي متهم بعد إطلاق سراحه بواسطة القضاء تصبح هذه جريمة يعاقب عليها السجان نفسه .

 

واللافت للإنتباه خلال متابعتي الجدل الدائر بشأن المعتقلين السياسيين أن ضغوطا مورست عليهم للتراجع عن بعض إطروحاتهم الفكرية والسياسية فرفضوا وكذلك ضغوط مورست علي القضاء للتجديد للمتهمين لكن القضاء رفض وهذا أسوأ نموذج يتم في دولة تنادي بالقانون والديمقراطية و تدعي شعارات الحرية والسلام والعدالة ..

 

وهذا يمكن أن يحول المعارضة من خانة المساندة والرشد الي قوة مقاومة شرسة وفي ظل حالة إستقطاب المحاور العالمية يمكن أن تجد المعارضة تعاونا ولو ظرفيا من أجل تحقيق أهدافها بحيث فشلت السلطة السياسية الحاكمة لمدة ثلاثة سنوات في بناء تحالف وطني للبناء والتحول الديمقراطي السلس .

 

فشلوا في صناعة المشهد السياسي المفضل للمرحلة وللجماهير بسبب الإقصاء فالحرية والتغيير واليسار كانوا ولا زالوا يريدون سودانا بلا إسلاميين وبلا إسلام ويريدون حكما بدون ديمقراطية وعليه هذا المنهج ربما يقود إلي تغييب الديمقراطية عن السودان إلي فترات طويلة وبدأت ظاهرة غياب الديمقراطية والفشل في ترسيخها في ظاهرة الإنشطارات والإنقسامات في صفوف قحت نفسها الي الحرية والتغيير مجموعة المركزي والحرية والتغيير الميثاق الوطني وتيارات طفيلية إخري إنشطرت عنها .

 

إن علاج هذا الواقع مصالحة شاملة بلا إستثناء وإلا فإن بلادنا ستعاني أكثر من الذي عانته عبر مراحل تأريخها المختلفة وستتقلص أدوار الكتل السياسية وستنشأ كتل سياسية جديدة وهشة مصممة كأجسام وتنظيمات مستقلة كالتي يجمع فيها فولكر ليتم شرعنتها وهذه لن تكن اجسام سياسية ناضجة تحمل رؤية وطنية شاملة وواضحة حتي نعتبرها أجهزة آمنة ومحصنة للدولة ونضمن إستقرار عملها أخشي أن تكون هذه الاجسام مسلوبة الإرادة ومطية تستغلها المنظمات العالمية والقوي الناعمة لتحقيق أغراضها واهدافها الخاصة .. ويقيني هذا عجز وطني يحاسب عليه التاريخ كل النخبة الوطنية والحكام السلطويين ..

اترك رد

error: المحتوى محمي !