ظاهرة “اللا تعقُّل” (dysrationalia) وتأثيراتها على المشهد الثوري والسياسي والإعلامي السودانوي

بقلم. عميد م. ابراهيم عقيل مادبو
بعض علماء النفس يطلقون على هذه الظاهرة اسم “الإستدلال المنحاز”، وهو عندما نطبق ذكاءنا بطريقة إنتهازية أحادية الجانب، لبناء الحجج التي تبرر وتسوّغ آراءنا البديهية وتهدم حجج الآخرين، وكلما ازداد ذكاؤك وإلمامك بصنائع الشر، كانت تلك الحجج أكثر إقناعاً لدى المتلقي البسيط، الذي لا يتمكن من إعطاء عقله الفرصة للفهم السليم الدقيق، ولبناء التصورات والرؤى والمفاهيم بشكل صحيح، لتسهيل حكمه الخاص على الأمور والأشياء من حوله، فعملية الإستدلال المنحاز لا تمنح العقل فرصة التفكير بمرونة بعيدًا عن نمطية “الخيارات المتاحة” و”الخيارات البديلة” إلى مرونة “العدد غير المحدود في “الخيارات الصائبة”، وهذه أحد أسباب الفوضى والعنف وردود الأفعال الخاطئة في المجتمعات وبين الجماعات السياسية المختلفة، وهي تنتج خطاباً متطرفاً ومتعصباً يبرره أصحابه بأن الفعل كان شنيعاً بالقدر الذي يستحق التعامل معه بشكل أعنف مما قام به، لكن مثل هذا النوع من الخطاب المتعصب لا يمكن أن يبني دولة ولا يصنع مشروعاً لمجتمع يرغب بالتغيير، وحتى لا نغرق في مستنقع الإنقسام والعنف والعنف المضاد والإنتقام، يجب أن تكون هناك حملة توعية أعلامية وطنية، قبل أن تتغير مطالب الحرية والسلام والعدالة والديمقراطية والكرامة الإنسانية، من الساحة السياسية السودانية لتحلًّ محلًّها ظاهرة العنف والعنف المضاد والإصطفاف غير الحميد.

لقد تفاقمت المشكلة السودانية إلى حجم أكبر، مما قلل من فرص الحل، بينما إرتفعت كلفة رأب صدع الخلاف، وهذا مايدعو إلى أن يوكل الشخص قيادة ذاته إلى عقله ويعمل على التحكم في ردات أفعاله بشكل يتناسب مع الفعل بعيداً عن التشنج الموقفي الذي يفقد حضور الوعي، فهذا الأمر الذي يحدث بالسودان يزداد تعقيداً كلما امتد على نطاق أوسع، وهو في حق المجموعات والأحزاب السياسية أخطر وأكثر ضرراً من حق الفرد المستقل، وكذلك في حق المجتمع الكبير – الدولة – أكثر تعقيداً وأبلغ ضرراً، ببساطة لأنه يحدد مستقبل وطن ومجتمع برمته.

إذا لم نكن قادرين على تحقيق معادلة “توازن الوفاق” فلنعمل على تحقيق معادلة “توازن التهدئة”، فتحقيق التهدئة لا يحتاج إلى إمكانيات وإنما إلى إرادة، فالتهدئة ليست بقيمتها المادية بل بتأثيرها على روح العداء والتشاكس بين الأطراف المختلفة، وتوظيف نتائجها معنوياً في خلق أرضية مشركة للتوافق على ثوابت ومنطلقات وطنية، فمن الغباء السياسي أن تتحول الحقوق والمطالب البديهية للشعب إلى مجرد الدعوة إلى التظاهر والتتريس، فهذا يقتل الطموح ويئد الحقوق والحريات، وبالتالي يتم خنق الثورة وتحويلها لمجرد سباق في مضمار المواكب والمسيرات، وتصبح غاية النضال في كيفية النجاح في اخراج تظاهرة تصل للقصر أو البرلمان، وفي مجال التنافس لقيادة الحراك إنغمس الجميع في الصراعات والتشظي والدخول في تحالفات مما فتح الباب لدخول الأجنبي وتدخله في الشأن الداخلي السوداني.

إن مخاطر المرحلة تستوجب حواراً ممتداً مع المعارضة وأصحاب اللاءات حول القضايا القومية، يتم الإستماع إلى وجهات نظرهم ورؤاهم الأخرى والتدارس والتفاكر مع قادة الحراك السياسي الفاعلين؟.
*هل ثمة ما يمكن أن يؤثر على هذا المسعى؟.*
*_هل هناك من لا يريد الإستقرار للبلاد؟._*
*ماهو دور الصحافة الوطنية في هذا البرنامج؟.*
للأسف لا نجد في الصحف معالجة لقضايانا الوطنية، وأصبح السائد الآن لدى معظم الصحف هو النقل من منصات وشبكات إعلام الميديا الإلكترونية، وتلك الغرف والمجموعات التي تُدار عبر ناشطين ينفذون بوعي او جهل أجندة ضيقة تصب في مصلحة بعض الجهات الداخلية والخارجية، يعملون بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وغاياتهم هي التي تقود البلاد إلى حافة الإنزلاق، وتشعل فتيل الصراعات القبلية بالأقاليم *لكن يبقى السؤال: ما هو دور الوطنيين الحادبين علي مصلحة الوطن وهم الإغلبيه؟*

كيف تُترك البلاد بهذا الحال من روح العداء والتشظي والإنشطار، والعصبيات بأنواعها، ونعود للسؤال الصعب، *ماهو دور الصحافة في صيانة وتحصين الشباب أمل الأمة من التطرف السياسي والإصطفاف السلبي الذي يُساق إليه البعض من أبنائنا بالدعوات الخادعة والأفكار الزائفة وأحاديث الأماني والرغبات الحزبية الضيقة؟.*
ماهو دور الصحفي الوطني في مقاومة التطرف السياسي؟.

إن أي صورة من صور التطرف السياسي تضر كثيراً بمسيرة الثورة، وتعني عدم الإستقرار، وهذا يؤدي إلى إفتقاد فرصة تهيئة مستقبل الدولة المدنية والديمقراطية، بل وإبعاد الشباب وإشغالهم وصرفهم عن المساهمة في صناعة مستقبلهم، ودفعهم قصداً لعدم المشاركة بأدوار مؤثرة في فترة الحكم الإنتقالي والتي يجب أن يتم فيها بلّورة أهداف الثورة.

إن صورة الوطن على هذا النحو لا تبعث على الأمل والإرتياح، ولا ننكر أن الفراغ الحكومي والموقف الإقتصادي لهما أثر بالغ الصعوبة في عرقلة كل المساعي الطيبة نحو الإستقرار الأمني والإجتماعي والبدء في وضع الحلول اللازمة لتصحيح الأوضاع الفوضوية، خاصة وأن الموقف الإقتصادي بات صعباً في العالم بأكمله، جراء الأزمة الأوكرانية، بل أن بعض الدول الأوربية لديها مواقف اقتصادية صعبة للغاية، وهو ذات ما تعانيه الدول الأفريقية المحيطة بنا، ولهذا الأمر أصبح لزاماً أن تكون هناك حكومة وطنية “خبيرة” تفكر في كل الأبعاد وتدرس كل التحديات، وتبحث من أين تبدأ، وماذا تفعل، والهدف الرئيس أمامها هو ضرور اجتياز المرحلة الإنتقالية كما تم الإتفاق عليها.

الأمر أصبح الان يتطلب أن تتحول “الثورة” إلى “صحوة” سلاحها الأسلوب العلمي في إحداث التغيير المنشود، صحوة تعيد البناء من الأساس بعد أن اشتد به نخر السوس وتعيد صياغة الوضع وترفع تناقض الأفكار وتعددها، صحوة تعيد تشكيل هياكل وسلطات الحكم الإنتقالي بكل ضمانات الديمقراطية والوطنية، ومتطلبات الحوار والتوافق على الثوابت الوطنية، صحوة تمتد إلى كافة الآفاق السياسية والإقتصادية والإجتماعية والأمنية، صحوة لا تخرج في النهاية من تحت أي عباءة كانت، صحوة سودانية وطنية تتقدم لمسؤوليات العمل الوطني المتجرد، ولا أظن أن هناك سوداني يختلف على أهمية وضرورة أن يحدث ذلك.

نريد صحوة ترصد المشكلات التي تراكمت والعراقيل التي وُضعت، صحوة تنقض على المشكلة وتجتثها من جذورها، وليس التصدي الجزئي أو المرحلي لها بحل براق لكنه يظل في خانة المسكنات التي تسكت الألم مؤقتاً لكنها لا تشفي ولا تستأصل الداء، صحوة تتطلب المواجهة الجادة والفعالة لمشكلة الوطن، صحوة تكسر التحديات والعادات السياسية المعيبة الموروثة، صحوة تغير نهج أسلوبنا الغريب في المطالبة بالحقوق دون أدنى تقدير لضرورة الوفاء أولاً بالواجبات، فلم يعد ممكناً في ظل تأثير هذا الأسلوب تحقيق أدنى تغيير لأوضاعنا المتدهورة، فليس المطلوب أبداً أن تمضي الأمور في اتجاه واحد، أخذ دون عطاء وإنتاج، وإذا كانت القاعدة في كافة المجتمعات الغربية والرأسمالية «أن من لا يعمل لا يأكل» فإن ذات المبدأ تدين به المجتمعات اليسارية والعلمانية بدرجة أكبر، ولكننا لا نرى هذا النهج في أعمال الكل ممن يعتنقون الفكر اليساري والعلماني، ونحن في السودان وبحسب ثقافة مجتمعاتنا وديننا لا نريد أن يتم تطبيق هذه المعادلة على هذا النحو، لكننا نريد ممن يأخذ أن يعطي بقدر ما يستطيع، ونرجو ممن يطلب حقاً أن يسأل نفسه أولاً هل أدى واجباً؟

إن الفهم السليم للصحوة هو أن نبادر إلى الأخذ بما لجأت إليه الدول التي سبقتنا في الأزمات والمشكلات، وأن تكون لدينا ملفات متكاملة لكل مشكلة من التي تسبب لنا الأزمات الكبرى، ويتضمن الملف كافة الحقائق المتعلقة بهذه المشكلة، وسلسلة المحاولات والمقاربات المتعاقبة لمواجهتها وحلها، وكافة البدائل والخيارات الممكنة التي يطرحها الخبراء والمتخصصون للخلاص منها، وكل المعلومات بالأمكانات المالية والفنية المتاحة من أجل حل المشكلة، حتى لا يبدأ المسؤول الجديد تولي مسؤوليته من الصفر، أو من خلال إجتهادات شخصية، وأن لا يمسح ويبعد كل ما تحقق على يدي غيره، وإنما تكون البداية ملتزمة بما يضمه ملف المشكلة الذي أمامه يأخذ ويضيف ويظل الحساب مفتوحاً دائماً من خلال هذا الملف إلى أن يغلق، وأمام هذه الملفات يجد المسؤول نفسه أمام سؤال لابد أن يوجهه ويجيب عليه بأمانة هل يقدر فيستمر، أم لا يقدر فيعتذر، وإن حدث تقصير فهذه مسؤولية الوزير صاحب الملف، ويترتب هنا أن يصبح معيار البقاء في المنصب مرتبطاً بما يحققه المسؤول من حجم الإنجاز في التوقيت المحدد وبالأسلوب السليم وبغير تعلل وتصريحات تبريرية أو طلباً لإمكانات مالية خارج الميزانية لا تطيقها الدولة، والأهم أن يكون معيار تقييمنا قائماً على معيار النجاح أو الفشل فقد درجنا وهذا من أخطائنا السياسية أن نعارض أي برنامج أو مشروع لمجرد أن المنهج الذي اختير لتنفيذه يتعارض مع «المنطلقات الفكرية» لهذا الحزب أو تلك الجماعة أو ذاك اللوبي.

ختاماً نحن نقترب من منعطف طريق حاد، وأمام موقف خطير ينطبق عليه قول المثل الأنجليزي الذي يقول: « إن الأمراض المستعصية تتطلب علاجاً قوياً» وجميعنا الان بمختلف مشاربنا السياسية والفكرية في حاجة إلى حل شجاع يتطلب إرادة وطنية قوية لتنفيذه.

اترك رد

error: المحتوى محمي !