عثمان ميرغني يكتب ..“التيمم” في وجود الماء

(الزلزال) هو الاسم الذي اختارته لجان المقاومة في السودان لمواكب كان مخططًا لها أن تكون ضخمة بما يكفي لإسقاط الحكم الراهن، الأربعاء الماضي الموافق ليوم 6 أبريل، الذي تحفظ له الذاكرة الجماهيرية السودانية انتفاضتين، الأولى في 1985 اقتلعت نظام حكم الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، والثانية 2019 التي كانت بداية انهيار نظام الرئيس المخلوع عمر البشير.
حبست الخرطوم أنفاسها قبل يوم من 6 أبريل، فالاستعدادات على مدى عدة شهور من جانب لجان المقاومة أوحت بأنه يوم الفصل الذي يكلل الحراك الجماهيري بالصعود لمنصة التتويج، والحصول على حكم مدني كامل.
وقبيل ساعات من شروق شمس اليوم الموعود، أعلنت الحكومة، يوم 6 أبريل، عطلة رسمية بهدف الحد من الحركة في الشوارع، وتجنب الحاجة لانتقال العاملين بين مدن العاصمة الثلاث.
ومع منتصف الليل، أغلقت الجسور الرئيسة، وكان متوقعًا أن تكمل الحكومة حزمة الإجراءات الروتينية بقطع شبكة الإنترنت والاتصالات لتحجيم قدرة لجان المقاومة على التواصل الفوري الميداني مع الجماهير، لكن يبدو أن الحكومة أحست أنها ليست بحاجة لهذا الإجراء، خاصة أنه يمنح الحدث مزيدًا من الزخم الإعلامي.
وفي نهار رمضاني ساخن فاقت فيه درجة الحرارة 45 مئوية، خرجت جموع المتظاهرين في عدد من المدن والعاصمة وفق مسارات محددة ومعلنة مسبقًا، ورغم أنها كانت نسبيًا أكبر من المواكب العادية المستمرة، منذ 25 أكتوبر 2021، إلا أنها كانت أقل كثيرًا من التوقعات التي رُسمت ليوم ”الزلزال“ كما وُسِم بذلك.
الإحباط الذي ارتسم على الشارع مع بدء انسحاب المتظاهرين قابله في الضفة الأخرى لدى السلطات العسكرية حالة ارتياح، وربما إحساس بالنصر المؤقت.
والحقيقة، الأمر ليس فيه نصر أو هزيمة، فيبدو أن شهر رمضان مدد كرمه لحقن دماء السودانيين وإعطاء فرصة ربما الأخيرة للوصول إلى تسوية تنهي الأزمة، وتمنح البلاد المنهكة أصلًا أملًا بتجنب سيناريوهات ”اليوم الآخر The Day After على اسم الفيلم الأمريكي الشهير الذي يحكي عما بعد الحرب النووية العالمية إذا اندلعت.
الراهن السوداني وصل مفترق طرق، فإما تسوية سياسية شاملة أو حرب دموية شاملة، وبقدر ما يملك الفرقاء بالخيار الأول حق القرار في ابتدار التسوية وإنهائها بالطريقة التي يتوافق عليها الجميع، فإن الخيار الثاني ليس فيه حق بداية ولا نهاية، فهي هاوية تلقائية تنزلق إليها البلاد، وحينها لن يكون في يد أحد السيطرة على نهايتها، أشبه بدول الربيع العربي.
وعلى الرغم من أن التسوية السياسية توفر للجميع الفوز، لكنها مثل الجَنّة حُفت بالمكاره، ورغم أن الانزلاق إلى سيناريوهات الفوضى مَحرقة للجميع، لكنها حُفت بشهوات النصر والهزيمة المتوهمة لدى كل طرف.
والذي ينصت بإمعان لما يجري في الساحة السودانية يهوله صخب طبول الحرب التي تُقرع في مقابل الهمس الخجول بأية مبادرة لإنهاء الأزمة سلميًا وعقلانيًا.
الأمم المتحدة ممثلة في بعثة ”يونتامس“ السياسية في السودان والتي يرأسها السيد ”فولكر بيرتس“ أكملت المرحلة الأولى ”التشاورية“ من وساطة شاملة بين الأطراف السودانية، وهي تستعد للانتقال للمرحلة التالية المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين الأطراف فوجئت بالحكومة ترفع البطاقة الصفراء، وتهدد بالحمراء، على خلفية التقرير الذي قدمه رئيس البعثة أمام مجلس الأمن، في 28 مارس 2022، والذي اعتبرته الحكومة منحازًا – لم تحدد الطرف المنحاز إليه – بل خارج تفويض البعثة الأممية.
ورغم أن الاتحاد الأفريقي ممثلاً في البروفيسور محمد الحسن ولد لبات دخل شريكًا في خط الوساطة مع البعثات الأممية، إلا أن المهمة تبدو أقرب إلى المعطلة في انتظار تجاوز غضبة الحكومة على تقرير فولكر.
وخلافًا لوساطة الأمم المتحدة، ليس مطروحًا على الطاولة إلا مبادرة -خجولة- قدمتها الجبهة الثورية السودانية برئاسة الدكتور الهادي إدريس التي وقعت اتفاق السلام في جوبا أكتوبر 2020، ونالت مواقع منها 3 في مجلس السيادة، ورُبع مقاعد مجلس الوزراء.
والمبادرة طُرحت في لقاء بين أعضاء الثورية في السيادي مع ممثلين لقوى الحرية والتغيير في اجتماع، يوم الخميس الماضي 7 أبريل 2022، لكن ”الحرية والتغيير“ أرجأت الرد بعد دراسة المبادرة.
ومع غياب أية مبادرة أخرى، تتجه السلطة العسكرية في السودان لتكوين حكومة كفاءات مدنية مستندة على تحالف سياسي مع بعض الأحزاب التقليدية مثل الاتحادي الديمقراطي – بعد توحيد بعض الفصائل الاتحادية – وحزب الأمة برئاسة السيد مبارك الفاضل المهدي، وحزب الوطني الاتحادي، وبعض الأحزاب الصغيرة التي كانت نشطة في المشهد السياسي قبل الإطاحة بالنظام السابق.
رشحت تسريبات لإعلان رئيس وزراء من شخصيات معروفة في العمل السياسي، لكنها تفتقر للإجماع أو القبول على مستوى معقول، إذ سبق لهم تولي مناصب سيادية مرموقة دون أن ترتبط سيرهم الذاتية بإنجازات معلومة أو مواقف وطنية مميزة مشهودة تدلل على ارتقاء المصلحة الوطنية فوق الحزبية الضيقة.
وفي الصورة العامة، تبدو الحكومة المرتقبة أقرب لـ“التيمم“، على الرغم من توافر الماء، فالقصد منها إرضاء المجتمع الدولي الذي يربط استئناف التعاون الاقتصادي بوجود حكومة مدنية تستند على قاعدة سياسية واسعة.
المشاورات لإعلان الحكومة المدنية وصلت إلى نهايتها، لكن التردد في إعلانها مرده إلى الرغبة في الحصول على تواقيع بعض أحزاب قوى الحرية والتغيير، وبالتحديد حزب الأمة القومي الذي يبدو رئيسه المكلف السيد فضل الله برمة ناصر أقرب الفرقاء لتفهم وجهة نظر المكون العسكري.
المفاجأة الحقيقية في الإعلان المرتقب للحكومة هو تحول مواقف بعض الشخصيات التي اختارت أن تنتقل من مربع المعارضة المطلقة للسلطة العسكرية إلى الموافقة – بتوضيحاتها- على الانخراط في الحكومة المتوقعة استنادًا لحجة أن البلاد على مفترق طرق، وأن القرار يخدم فكرة نقل السلطة كاملة إلى المدنيين.
وفي زخم الحراك السياسي، تظل الأزمة الاقتصادية هي اللاعب الأكثر تأثيرًا على القرار المصيري بين تسوية شاملة أو حرب شاملة، فلو كان الفرقاء غير قادرين على حسم خيارتهم في الوقت المناسب فإن تداعيات الوضع الاقتصادي المنهار ستحسم القرار، ولات حين مَندم.

اترك رد

error: المحتوى محمي !