عزمي عبدالرازق يكتب.. علي كرتي والحركة الإسلامية .. بي وين السكة يا انتَ؟ الحلقة الثانية

لمس الأشياء والتأكد منها، كانت هذه أحدى طُرق الفريق عبد الرحيم محمد حسين لمعرفة ما يحدث حوله، لذلك فارقه النوم في تلك الليلة. يساوره شعور دفين بأن صلاح قوش يخطط لانقلاب، وقد دنت ساعة الصفر بالفعل. بعد أن صلى ركعتين، وأزاح بعصاه شبح مؤامرة ما انفكت تطارده، غموض يحيط بكل المباني العسكرية وسط استعداد من الدرجة الأولى، وبالرغم من أنه لم يتم تكليف عبد الرحيم بعد بإدارة جهاز الأمن في تلك الليلة كما صوبت أسرته، يندفع مسرعاً إلى الخارج، سألته زوجته: ماذا هنالك؟ قال إنه يريد أن يذهب لمبنى الجهاز لينظر ما يجري على الأرض، ومن ثم يصلي الصبح حيث يصلي. البشير لوحده في بيت الضيافة تحاصره أصوات الثوار والطائرات التي تهبط في مدرج المطار بين الحين والآخر. الساعة الثالثة فجراً من أخر ليلة في عمر الإنقاذ، أدار محرك السيارة وشق عتمات الفجر بحذر، حاول إدارة مؤشر الراديو، لكن الإذاعات معظمها كانت متوقفة بعد أن استولت عليها قوة عسكرية. في الطريق أوقفته سيارة تابعة لجهاز الأمن، على متنها ضباط وجنود مدججون بالسلاح، وأخبره أعلاهم رتبة بما جرى، وقال له:” سعادتك .. عندنا أمر باعتقالك”.
في الإجتماعات الملحقة بمكتب وزير الدفاع الفريق عوض بن عوف يدور نقاش صاخب، نياشين الضباط الكبار تتوهج تحت الأضواء الملونة، هنيهة من الصمت، وقد تم جمع الهواتف كلها، كانوا يخططون لخلع المشير في سرية تامة، ولكن من يبادر بقولها؟ من يفعل ذلك يزيح صخرة من الخوف جاثمة على الصدور، الفريق قوش ينظر إلى نائبه جلال الشيخ. ماذا تريد أن تقول يا جلال؟ ويندفع جلال بحماس دولفيني ” الرئيس لازم يتنحى، بالحسنة .. بالقوة” صمت رهيب يعم المكان، ثم أردف ” نحن عاوزين نحقن الدماء، فما مكن عشان نفر واحد يموت الآلاف”.. ينظر الضباط إلى بعضهم البعض بتحديق متوتر، كما لو أنهم بالفعل في حاجة ألى أول من يرمي بحجر على البركة الساكنة.. قوش يتنفس الصعداء، ومن ثم يتداخل الفريق عوض بن عوف، يريد أن يذيع البيان الأول ويقود التغيير حتى لا يصبح هدفاً له، ويذهب إلى السجن.
عودة لمبنى وزارة الدفاع، الأضواء الكاشفة تغمر المكان، في شرفة مطلة على الفناء الخارجي ينفث قوش دخان سجارته، يركض مدير مكتبه في الفضاء الرحب ركض الخائفين. فجأة يقتحم أحمد الشايقي مدير شركة زادنا التابعة للجيش غرف الإجتماعات، ويمسك بخناق أحدهم، وهو يلسعه بالقول “خائن.. خائن” يفض الحضور الإشتباك.. يقف عبد الرحيم دقلو بكلتا قدميه على سور الشرفة، يتراجع قليلاً خشية أن يرميه أحدهم من الطابق الثاني، الأنفاس منقبضة واللحظات حرجة رهيبة، أبواق السيارات في شارع النيل تردد في معزوفة متناغمة ” تسقط بس” ويبدا دسيس مان في تأليف الأغاني التي هى مزيج من جلالات الجيش والأشواق الثورية.
المكان. مركز الدراسات الاستراتيجية، ينعقد اجتماع هام وخطير لغرفة دائمة معنية بإدارة الأزمة. ضمن الحضور على كرتي، علي عثمان، سيد الخطيب وأحمد هارون، كانت الخطة “ب” معدة سلفاً لإدارة حوار ساخن، طويل ومثير حولها. في حال غدرت اللجنة الأمنية بالحركة الإسلامية كيف سيكون التصرف؟ يفتأ الشيوخ الكبار يتصفحون صور الضباط واحداً بعد الأخر، كمال عبد المعروف منا والطيب بابكر أيضاً، الجهاز والشرطة لا يستطيعان وحدهما التورط في انقلاب، ولكن ماذا عن البقية؟ مكالمة هاتفية يتلقاها علي كرتي تحول مسار النقاش إلى النقيض تماماً، ولسان حالهم ” لسنا بطير مهيض الجناح”، بدا أن الحركة الإسلامية سوف تصيد مع الصياد وتعدو مع الطرائد، ولذلك كان موقف علي كرتي الرافض لإنقلاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الفريق أول ركن هاشم عبد المطلب، محيراً ومربكاً، وقد أبطله بالفعل، لسبب ما.
نواصل

اترك رد

error: المحتوى محمي !