مولانا احمد ابراهيم الطاهر -يكتب.. المستعبـد والمعبـود في السياسـة السودانيـة

لابد من إعادة التفكير: فمنذ سبعين عاما يعتقد المجتمع الألماني أن بإمكانه منع الحرب إذا لم يبادر مرة أخرى بالعدوان ، وأنه يتوجب عليه أن يستمر في دور المعتذر عن الحرب السابقة -العالمية – والفكرة هي أن جهة أخري هي التي يجب أن تبدأ العدوان ، وأن علي ألمانيا أن تهرع لنجدة ضحايا الحرب بالعتاد الحربي ، إن المجتمع الألماني يجب أن يفكر في إعادة النظر في ذلك.” هذه ترجمة لفقرة من مقال لمحلل ألماني ( ربما يشير إلي دور بلاده المهين في حرب الأفغان التي أشعلتها أمريكا ودعمتها ألمانيا وحرب أوكرانيا التي أشعلها الروس وطلب من ألمانيا تزويدها بالسلاح .)

فالكل مشغول بالتحليل للواقع الذي فرضته الحرب الروسية علي أوكرانيا . وهو واقع غير مسبوق من قبل . والمقال يشير إلي فقدان ألمانيا قيادتها للاتحاد الاوروبي بعد ميركيل ، وأن الاتحاد الآن يبحث عن قيادة أخري في ظروف حرب أوكرانيا ، مستبعدا فرنسا لعلاقتها بروسيا . وتمضي التحليلات للقول بأن ألمانيا لم تفقد القيادة السياسية لأوروبا فحسب ، بل فقدت أيضا القيادة الاقتصادية لأول مرة بعد انقطاع الغاز والقمح الروسيين.. وقد ورد في الأخبار أن تقرير الفاو يشير إلي أن ألمانيا وبريطانيا تدخلان ضمن الدول المهددة بالأمن الغذائي مثل بعض الدول في العالم الثالث .
هذا قليل مما ينتاب أوروبا هذه الأيام . ومما ينتابها أن قرارها ليس بيدها منذ أمد بعيد ، فمنذ نهاية الحرب العالمية أودعت هذا القرار في اليد الأمريكية ، التي لاتستطيع أن تقطع أمرا دونها ولو أدي ذلك للإضرار بها . ومن ذلك أن الحرب الروسية في أوكرانيا يقع الضرر الاقتصادي منها مباشرة علي أوروبا التي بدأ الخناق يضيق عليها من فقدان الطاقة والغذاء . وأن معدلات التضخم والبطالة واللجوء غير مسبوقة ، وهي فوق قدرة الاحتمال ، ولا يلوح في الأفق بارقة أمل لوقف الحرب ، فمن أشعلها لا يعرف الرحمة ، وهزيمته مستحيلة فهو يقول إما النصر أو الدمار .
الوضع المعقد الحالي صنعته أوروبا بطوعها واختيارها عندما اتخذت الولايات المتحدة معبودا آمرا لها ولم تتحسب لأن تجعل لها منفذا مستقلا ينجيها من الطغيان الأمريكي إذا وقع ، وقد كانوا يستبعدون وقوعه لآصرة القربي ، ولكنه وقع بالفعل ، فالولايات المتحدة تهمها اليوم مصلحتها وإن كانت علي حساب أوروبا ، فالوحش لا يقتسم الفريسة مع وحش آخر ، وإن عاونه في افتراسها ، وإن الإنسان ليطغي أن رآه استغني . والأمريكان يهمهم الآن هزيمة الروس الذين عبروا الخط الأحمر وهددوا النعيم الأمريكي الراقد في هيمنة الدولار علي الاقتصاد العالمي بلا غطاء ولا ثمن ، ولا يهم أن تضيع أوروبا أو أن يخنقها الروس حيت الموت إن سلمت الولايات المتحدة ، فأوربا عابدة ، والولايات المتحدة معبودة ، وعلي المعبود تنفيذ رغبة العابد . وهذا شأن كل معبود من البشر ، وما أكثر المعبودين بدون حق إلا بضعف العابدين وهوانهم وقلة عقلهم . وقد صدق الشاعر خليل مطران إذ يقول :
والجهل داء قد تقادم عهده في العالمين ، ولا يزال عضالا
لولا الجهالة لم يكونوا كلهم إلا خلائق إخوة أمثالا
لكن خفض الأكثرين جناحهم. رفع الملوك وسود الأبطالا
وإذا رأيت الموج يسفل بعضه. ألفيت تاليه طغي وتعالي ومن هنا ننظر إلي أوضاعنا في السودان ونري أن الحقل السياسي ممتلئ بالعابدين وبالمعبودين أما أكثر العابدين فهم فئات من الأفراد والجماعات والسياسيين المستحدثة في العمل العام نظرت إلي مصالحها الآنية وغالبها مصالح مادية مسترخصة دافعها منثورات دولار أو ريال أو درهم وغابت عنها غايات كبري منها مصير الوطن ومستقبل الأجيال ومصلحة العامة ومواطن العزة وعظمة الكرامة والخوف من الجليل . وأما المعبودون فهم في الغالبة أصنام صغيرة من سفارات ومكاتب وعملاء مخابرات وصنائع إعلام ،تديرها أصنام غائبة في الخارج ، وهي علي هوانها وقلة حيلتها تستشعر عظمتها من ضعف عبادها والطبلين لها والراكعين تحت أقدامها واللاعقين لأحذيتها ، وقد عز علينا أن نري في بلادنا مسئولين ذوي مكانة في الحياة العامة يهرعون إلي سفير لا قيمة له ويتسابقون إلي أخذ اللقطات معه ويبادلونه الابتسام ، وهو لا يستحق أن يقف بباب مديري مكاتبهم . ومن يهن يسهل الهوان عليه ، ما لجرح بميت إيلام. وقد قرأت لمالك بن نبي قولته المشهورة ، إن الاستعمار لن يتم في بلد ما لم يكن في مواطني ذلك البلد قابلية للاستعمار .. إن تنظيف الساحة السياسية في البلاد من الأدران التي رانت عليها هو واجب الجميع . فالمعلوم أنه لا حديث اليوم في الساحة عن القضايا الاستراتيجية التي تحكم حاضر البلاد ومستقبلها ، وهي قضايا نظام الحكم والحريات العامة وسيادة حكم القانون وصناعة الدستور والإعداد للانتخابات العامة ومشكلات الانتاج الزراعي والصناعي وتوفير الطاقة ومعالجة قضايا المعاش والأمن الغذائي ،وضبط الأمن العام ، وتحقيق السلام الدائم ومحاربة الفساد جديده وقديمه ، وإعادة العلاقات الخارجية علي قاعدة الندية والاستقلال والتعاون . وإذا كنا – حاكمين ومحكومين – نؤجل كل يوم اتخاذ التدابير الضرورية والخطوات اللازمة لجمع الصف الوطني من أجل القيام بمهام الإصلاح ، فمن الذي ننتظر أن يقوم نيابة عنا بذلك؟ وبلا شك فإن عناصر سياسية معلومة تعمل بكل جهدها لتعويق التقدم في المجالات الحيوية للبلاد خدمة للمستعمرين الجدد ، وتستخدم في ذلك وسائل تقع تحت طائلة القانون الجنائي ، مستشعرة بقوة ارتباطها بالدول المعادية للبلاد أو الطامعة في نهب ثرواتها في غياب الرقابة القومية والقانونية. ووجود تلك العناصر بهذا الفهم ودون خضوعها لمتطلبات العمل السياسي وضوابطه يشكل تهديدا مباشر لمستقبل البلاد وأمنها واستقرارها .. لن ينصلح أمرنا ما لم نسع لتغيير المعبود الذي جاء من الخارج وجثم علي صدر البلاد ، وفي استطاعتنا إن نفعل ذلك ، فإن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم . التغيير آت لا محالة ، وشواهده المحلية والعالمية لا تخفي علي ذي عقل ، العالم يتغير علي مدي الساعة ، وقد دخل الملوك بعض القري وجعلوا أعزة أهلها أذلة كما فعل الروس ويفعلون بتدبير من حكيم عليم. ويتوجب علينا حاكمين ومحكومين أن نغير قواعد اللعبة السياسية بإرادتنا لا بإرادة الأمم المتحدة أو أصدقاء السوء أو الترويكا الخبيثة أو المندوب الأممي الذي يلوح من وجهه ما يلوح .. الأمة السودانية أمة حية متيقظة ممتلئة بالقيم العليا معتزة بالنفس ، مفعمة بحب الوطن ، ولكنها أمة عابدة لمعبود واحد له كل صفات الكمال والقدرة والعظمة والرفعة ، وتتمثل هذه القيم أكثر في شبابها الذي أخذ مشاعل العطاء بلا تكليف من أحد ، ولكن باستشعار المسئولية العظمي للحفاظ علي الوطن ، وحدته وأمنه وسلامته ، وعلي الدولة بكل أجهزتها فتح الأبواب لهذا الجيل ليفجر طاقاته الكامنة ، ليس بأساليب التدمير والتتريس والفوضى والصياح والغوغائية ، ولكن بالرشد والتخطيط والتعاون والبذل والعطاء ، فالعالم كله في انتظار البدائل ، فإني أري سحائب تحولات كونية عظمي تلوح في الآفاق ، لا ينبغي أن نكون فيها أذيالا تابعين ولكن روادا متبوعين . ويتطلب ذلك حراكا شعبيا حكيما يجمع الناس علي المصالح العليا ويبعدهم عن أوحال التدخل الدولي ، ولا بد من أن تكون البداية هي تحرير البلاد من وكر مندوب الأمم المتحدة الذي جاء بتدبير الخائن حمدوك ، والذي يمثل ذهابه بدء التحرر الوطني من الاستعمار الجديد والانطلاق نحو بناء حديث للبلاد . وقد اطلعت علي المقال الرائع الذي كتبه الدكتور الدرديري في شأن البعثة الأممية والطريقة الملتوية التي جاءت بها لبلادنا ، والمهام الأربعة التي أوكلها بها مجلس الأمن ، وفشلها في أول مهمة منها بفقدانها الحياد المطلوب ونسيانها للمهام الثلاث الأخري وقيامها بأنشطة ذات شبهات وأجندة محجوبة ، ثم مناقشته للوسائل التي ينبغي للشعب والدولة اتخاذها تجاه البعثة لإنهاء مهمتها في السودان . وأرجو أن تكون وزارة الخارجية قد علمت بالمقال فهو مما يقع في اختصاصها ولكنه يتطلب عزمة سيادية ينتظرها السودان بأجمعه .. نعود إلي المعبود بحق مالك السودان وخالق مواطنيه وواهب الخيرات العظيمة في باطنه وظاهره ، ومدبر أمره فوق كل تدبير ، نعود إلي ربنا الجليل العظيم القاهر فوق عباده ونجثو في محرابه في ذلة المؤمن وانكسار الضعيف ألا يسلم بلادنا لعدو ولا يتركها لتنظيمات الهوي والفساد وأن يخرجها من ظلمات القهر إلي عز النصر والقوة ، وأن يعمرها بالصالحين والعابدين ويبعد عنها صناع الفجور وأتباع السفير.

اترك رد

error: المحتوى محمي !